الشيخ محمد رشيد رضا
226
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
للدجالين والمحتالين الذين ينتحلونها ، ويمكنونهم من أموالهم فيسلبونها ، ويأتمنونهم على أعراضهم فينتهكونها ، ولا سيما إذا كانوا يأتون ما يأتون منها على أنه من كرامات الأولياء وعجائب القديسين ، ويقل تصديق هذا والانقياد لأهله حيث ينتشر تعليم التواريخ وما عند جميع الأمم من ذلك ، على أنه لا يزال كثيرا في جميع بلاد أوربة وأمريكة ولعله دون ما في بلاد الشرق ولا سيما القرى وهمج الزنوج وغيرهم بيد أن آيات اللّه الحقيقية التي نسميها المعجزات هي فوق هذه الاعمال الصناعية الغريبة لا كسب لأحد من البشر ولا صنع لهم فيها ، وإن ما أيد به رسله منها لم يكن بكسبهم ولا عملهم ولا تأثيرهم ، حتى ما يكون بدؤه بحركة إرادية يأمرهم اللّه تعالى بها . ألم يهد لك كيف خاف موسى عليه السّلام حين تحولت عصاه حية تسعى ، فولى مدبرا ولم يعقب لشدة خوفه منها ، حتى هدأ اللّه روعه وأمن خوفه ؟ أو لم تقرأ قوله لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ؟ ) أو لم تفهم ما أمره اللّه تعالى أن يجيب مقترحي الآيات عليه من قومه بقوله ( قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ) وقوله ( قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ) * وما في معناهما جهل هذا الأصل المحكم من عقائد الاسلام أدعياء العلم من سدنة القبور المعبودة وغيرهم فظنوا أن المعجزات والكرامات أمور كسبية كالصناعات العادية ، وان الأنبياء والصالحين يفعلونها باختيارهم في حياتهم وبعد مماتهم متى شاؤوا ، ويغرون الناس باتيان قبورهم ولو بشد الرحال إليها لدعائهم والاستغاثة بهم عند نزول البلاء والشدائد التي يعجزون عن دفعها بكسبهم وكسب أمثالهم من البشر بالأسباب العادية كالأطباء مثلا ، وبالتقرب إليهم بالنذور والقرابين كما كان المشركون يتقربون إلى آلهتهم من الأصنام وغيرها ، وهم يأكلونها سحتا حراما ، ويخبرونهم بان دين اللّه تعالى يأمرهم أن يعتقدوا أنهم يقضون حوائجهم ، حتى قال بعضهم انهم يخرجون من قبورهم بأجسادهم ويتولون قضاء الحاجات ، وكشف الكربات ، ولو كانت كذلك لما كانت من خوارق العادات . وقال بعضهم في كتاب مطبوع ان فلانا من الأقطاب يميت ويحيى ، ويسعد ويشقي ، ويفقر ويغني